يوسف المرعشلي

94

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ونقد القسم التاريخي من « دائرة معارف فريد وجدي » ، وذيل طبقات الأطباء ، والآثار النبوية ، ومفتاح الخزانة للبغدادي ، وأعيان الشرق في القرن الثالث عشر ، جعله ذيلا لسلك الدرر للمرادي « 1 » ، ثم ألحقه بذيل في تراجم أعيان أوائل القرن الرابع عشر . ومنها : نوادر المسائل أو معجم الفوائد والبرقيات ، وهي كلمات تؤدي كل منها معنى جملة كاملة . إلى غير ذلك من رسائله ومقالاته وتحقيقاته مما نشره في « المؤيد » والأهرام والمقتطف والضياء والمقتبس والهلال والهندسة والسلفية والآثار والزهراء ومجلة المجمع العلمي العربي ، ومنها ما نشر له بعد وفاته في « الرسالة » إلى ما كان يكتبه في المناسبات . أما الكتب التي استرشد فيها العلماء والناشرون بآرائه فكثيرة جدا ، يتألف منها كتاب من أمتع الكتب في النقد والبحث ، هذا إلى رسائله إلى علماء الشرق والغرب . وكان يكتب كل ذلك بيده ، لا يعتمد فيه على كاتب أو مساعد ، وهو سريع الإجابة على ما يرد عليه من الأسئلة ، إلا إذا اقتضى الحال التعمق في البحث فإن جزازاته وتعاليقه كانت متقنة يهتدي بها إلى ما يريد لساعته . وبعد ، فإني لا أعرف في بلاد العرب من أقصى شمالي إفريقية على البحر الأطلنطي إلى خليج فارس رجلا جمع مثل هذه الصفات ، وأحب العلم هذه المحبة الشديدة ، وخدمه في نطاق طاقته هذه الخدمة ، وهو في أصله من طبقة النبلاء وأرباب الثراء . فما أبطرته النعمة ، ولا استهواه الغنى والجاه ، وراح في كل أدوار حياته يبتعد عن الشهرة والشهرة تلحقه كعادتها مع من لا يتطلبها . وربما كانت شهرته في البلاد الخارجة عن القطر المصري أوسع من شهرته هنا . وقد رأيته يتبرم بها ظاهرا وباطنا . إن هذه الصيانة وهذه التقوى وهذا الرفق قلّ حتى في رؤساء الدين مثله . هذا مع اتساع الفكر لكل جديد ، وفتح الصدر لكل بحث إذا لم يصادم العقل فيه النقل . كان إماما مدققا في علوم اللغة والبيان ، كاتبا نقي العبارة ، يكتب على أجمل ما يكتب نبغاء المؤلفين ، لا تعمّل ولا تصنّع ، يحيط بالتاريخ الإسلامي عامة وبتاريخ مصر خاصة إحاطة واسعة ، وقد رزق ذاكرة قوية ، لا ينسى ما يقيد ولا مالا يقيد ، وغلب عليه التواضع ، وتملكه الحياء ، والحياء من الإيمان ، فكأنه من جنس أولئك العلماء الذين ذكرهم الإمام محمد عبده يوما في مجلسه ، وكان ذلك فيما أذكر في دار أحمد تيمور بدرب سعادة ، وقد سأله أحد الحضور أما آن لمصر أن تنشىء جامعة تخرّج أبناءنا في العلوم بالعربية ؟ فأجاب الأستاذ الإمام : حقا لقد حان الوقت لذلك ، ومتى تهيأت لنا الأسباب لتأسيسها نجلب ، إن شاء اللّه ، لتدريس بعض الفروع فيها أساتذة من سويسرا . فاستغرب أحد الحضور هذا التخصيص بالسويسريين ، وسأل الأستاذ عن هذا السر فأجابه : نعم من سويسرا ، ذلك لأن علماءها كالبنات العذارى إذا أحدقت النظر في وجوههم أخذهم الحياء واحمروا خجلا . إن محصول الأستاذ أحمد تيمور في العلم لا يعد قليلا إذا اعتبرنا جودة ما أتى به من الأبحاث ، وإذا أدركنا أن التعليق على مخطوطاته استغرق جانبا عظيما من وقته ، وأن غرامه بالكتب كان يتقاضاه صرف الساعات الطويلة أيضا ، أكبرنا ما أتى به ، خصوصا إذا علمنا أنه كان يتولى كل أمر بنفسه حتى كتابة الفهارس . ولو نبغ مثله عند أمة غربية من الأمم الكبرى أو غيرها لكان اسمه في كل لسان ، ورسمه في كل عين ، ولكن هو الشرق يكبّر الصغير ويصغّر الكبير ، وينسى رجاله أو يتناساهم ، لأن الرجال فيه كثر ، وقد يستفيض شهرة من لا يحسن أكثر من استفاضة شهرة من يحسن ، ولا يبجّل في الأغلب إلا من دجّل ودلّس وعبث بعقول الناس ، وكان وسطا في قريحته « 2 » .

--> ( 1 ) في أعيان القرن الثاني عشر وهو في أربعة أجزاء ، والمرادي هو شيخ الإسلام محمد خليل بن علي بهاء الدين محمد المرادي مفتي الأحناف بدمشق توفي سنة 1206 ه . ( 2 ) انظر ما ورد فيه أيضا أواخر ترجمة أحمد زكي القادمة ومجلة المجمع ، المجلد 11 ص : 129 ففيها محاضرة للمؤلف .